الثعالبي

243

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

يناشد ربه فيهم ، ويقول : أي رب ، كيف أرجع إلى بني إسرائيل دونهم ، فيهلكون ، ولا يؤمنون بي أبدا ، وقد خرجوا ، وهم الأخيار . قال * ع ( 1 ) * : يعني : هم بحال الخير وقت الخروج ، وقال قوم : بل ظن موسى أن السبعين ، إنما عوقبوا بسبب عبادة العجل ، فذلك قوله : ( أتهلكنا ) [ الأعراف : 155 ] ، يعني السبعين : ( بما فعل السفهاء منا ) [ الأعراف : 155 ] يعني : عبدة العجل ، وقال ابن فورك : يحتمل أن تكون معاقبة السبعين ، لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه ، بقولهم لموسى : ( أرنا ) [ النساء : 153 ] وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام . قال * ع ( 2 ) * : ومن قال : أن السبعين سمعوا ما سمع موسى ، فقد أخطأ ، وأذهب فضيلة موسى ، واختصاصه بالتكليم . و ( جهرة ) : مصدر في موضع الحال ( 3 ) ، والجهر العلانية ، ومنه الجهر ضد السر ،

--> ومعنى الآية على الأول : منتظرة نعمة ربها ، وعلى الثاني : عند ربها منتظرة نعمته . أجاب أهل السنة عند المنع : أولا : لو أريد من النظر في الآية انتظار النعمة لما خص بإسناده إلى الوجوه التي هي محل الأعين - بالباصرة ، ولم يكن للتعدية بالظرف معنى ، فإن المؤمنين في دار الدنيا منتظرون نعمته تعالى ، وكذلك الكفار . ثانيا ، أن جعل " إلى " بمعنى النعمة في هذا المقام يخالف المعقول ، لأن الانتظار يعد من الآلام ، كيف وقد قيل : إنه الموت الأحمر ؟ ! ويخالف المنقول أيضا ، إذ روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : " أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى جناته وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية " ثم قرأ ( عليه الصلاة والسلام ) : ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) [ القيامة : 22 - 23 ] والله ما نسخها منذ أنزلها . ثالثا : إن الانتظار أمارة الغم وعدم الاطمئنان ، وقد قيل كما سبق أنه الموت الأحمر ، وهذا يخالف ما سبقت لأجله الآية من التبشير للمؤمنين بالإنعام وحسن الحال وفراغ البال ، وذلك إنما يكون برؤيته تعالى ، فإنها من أجل النعم والكرامات المستتبعة لنضارة الوجوه . وما يقوله المعتزلة من أن ترتب الغم على الانتظار أمر عادي يجوز تخلفه في الآخرة حيث إنها دار خوارق العادات ، على أنه إنما يكون غما إذا لم يكن مقطوعا بما يترتب عليه من حصول النعم ، كيف وهو وعد من لا يخلف وعده ، فمدفوع بأن هذا الخروج عن السنن الكونية فقد جرت عادة الله ( تعالى ) أن يبشر خلقه وينذرهم بما يعلمونه لذة وعذابا بحسب العادة ، ولذا لم يقع التبشير بالنار والإنذار بالجنة مع إمكان أن يخلق الله اللذة في النار والعذاب والألم في الجنة . ينظر : الرؤية لشيخنا عبد الفضيل طلبة ص 40 وما بعدها . ( 1 ) " المحرر الوجيز " ( 1 / 147 ) . ( 2 ) السابق . ( 3 ) قوله تعالى : ( جهرة ) فيه قولان :